العقل البشري لن يكون قادراً مطلقاً على استيعاب الخلود- قراءة في فيلم The Correspondence

نظرة تحليلية لفيلم "المراسلات" . بقلم د. جورج نادر

 

د.جورج نادر – قسم الثقافة والفن

تعجبني، على وجه العموم، السّينما الأوروبيّة أكثر من سينما هوليوود الأمريكيّة، أجد فيها عمقاً إنسانيّاً تفتقر إليه الأخيرة إلّا فيما ندر. وبين السّينما الأوروبيّة أفضّل السّينما الإيطاليّة، وإلى حدٍّ ما الاسبانيّة، ومن ثمّ الفرنسيّة، فالبريطانيّة والسويديّة والدانماركيّة.

صانع السّينما الأهمّ في العقود الثّلاثة الأخيرة في إيطاليا، وتالياً في العالم- وفق ذائقتي الشخصيّة، هو المخرج والمؤلّف المبدع “جوزيبّي تورناتوي”.

منذ أيقونته الخالدة- فيلم «سينما باراديسّو»، الّذي أعتبره شخصيّاً على رأس قائمة أفضل الأفلام الّتي شاهدتّها على الإطلاق، وهو من أفلام السّيرة الذاتيّة بالمناسبة، وصدر عام 1988، تتالت أعماله الرّائعة فأنجز «Everybody’s fine» (الجميع بخير)عام 1990، وهو الفيلم الّذي جرى استنساخه بصورةٍ جيّدة أيضاً في السّينما الأمريكيّة عام 2009 في فيلم من بطولة “روبرت دي نيرو” وإخراج البريطاني “كيرك جونز”، كما جرى استنساخه تلفزيونيّاً عبر مسلسلٍ من بطولة “دريد لحّام” وإخراج “اللّيث حجو” حمل عنوان «سنعود بعد قليل» عام 2013، ثمّ فيلم «Especially on Sunday» (خاصّةً يوم الأحد) من بطولة الجميلة “أورنيلّا موتي”، ومن ثمّ فيلم «The star maker» (صانع النّجوم) عام 1995، ففيلم «The legend of 1900» (أسطورة 1900) عام 1998، ففيلم «Malena» (مالينا) عام 2000 من بطولة الجميلة “مونيكا بيلوتشي” في دورٍ صامتٍ ساحرٍ بشكلٍ غير مألوف، ففيلم «The unknown woman» (المرأة المجهولة) عام 2006، ومن ثمّ فيلم «The best offer» (العرض الأفضل) عام 2013، وانتهاءً بفيلم «The correspondence» (المراسلة) عام 2016 وهو موضوعي اليوم وسأبدأ الحديث عنه بعد قليل.

بالطّبع ما ذكرته هنا من عناوين أفلامٍ لتورناتوري هي ليست كلّ نتاجه السّينمائي، وإنّما ما تمكّنت من مشاهدته فقط، على اعتبار أنّ أفلامه جميعها ناطقةٌ باللّغة الإيطاليّة الّتي لا أجيدها، باستثناء آخر فيلمين مذكورين أعلاه فهما ناطقان بالانكليزيّة، وهذه الأفلام فقط هي ما تمكّنت من العثور على ترجمةٍ مرفقةٍ لها للعربيّة أو الانكليزيّة.

النّقطة الأخرى الّتي تستدعي لفت الانتباه هي أنّ فيلم «Cinema Paradiso» لم يكن الفيلم الأوّل لتورناتوري بل الفيلم الثّالث، فقد سبق له إنجاز فيلم «One hundred years in Palermo» عام 1984 وفيلم «The professor» عام 1986.

والجدير بالذّكر هو أنّ “جوزيبّي تورناتوري” يكتب جميع سيناريوهات أفلامه بنفسه.

والآن إلى موضوع اليوم وهو عن فيلم «The correspondence» (المراسلة) الصّادر في العام الماضي. لقد شعرت بالدّهشة، بعد أن انتهيت من مشاهدة هذا الفيلم، لكونه لم ينل حظوةً بين النقّاد والجمهور، فقد عثرت عليه مصادفةً ولم أقرأ مديحاً أو نقداً له مطلقاً، مع أنّه في رأيي يمثّل أيقونةً سينمائيّة لا تقلّ في روعتها عن روعة «سينما باراديسّو» .

 

الفيلم، كما أسلفت، لجوزيبّي تورناتوري كتابةً وإخراجاً، ومن بطولة القدير “جيريمي آيرونز”، الّذي توهّج في أدائه لدور البروفّسور “إدّ فيرم” في الفيلم، والممثّلة الأوكرانيّة الجميلة “أولغا كيريلينكو” في دور “إيمي رايان”.

الفيلم من النّوع عالي الدّسم من ناحية الأسئلة الكبرى الّتي يطرحها والمسائل الفكريّة الّتي يخوض بها، وهذا ما قد يفسّر ربّما سبب ضعف الإقبال الجماهيري على مشاهدته وعدم احتفاء النقّاد “الاستهلاكيّين” به. باختصار، هو ليس من صنف الأفلام الّتي تُشاهد بقصد التّرفيه بعد عناء العمل أو بقصد تزجية الوقت، بل من صنف الأفلام الّتي تحرّض على التّفكير وتستفزّ عقل المُشاهد لمزيدٍ من الاستقصاء والبحث عن إجاباتٍ للأسئلة الّتي يطرحها، هذا مع العلم أنّ قصّة الحبّ في الفيلم، والّتي لا يمكن بحالٍ من الأحوال فصلها عن المسائل الفكريّة الأخرى الّتي يُعالجها بل هي في صلبها، هي من النّوع الآسر بطريقةٍ غير مألوفة إلّا على نطاقٍ ضيّق.

البروفّسور “إدّ فيرم” هو عالمٌ وأستاذٌ جامعيّ لمادّة الفيزياء الكونيّة والفلكيّة أمضى حياته في مراقبة النّجوم بشغف واختبار النظريّات الّتي تحكمها والانفجارات الكونيّة الّتي تقود لولادة نجومٍ جديدة أو فناء نجومٍ أخرى. هو يؤمن بنظريّة الأوتار الفائقة Superstrings theory والأكوان الموازية Parallel universes  الّتي تمثّل امتداداً أو تطويراً لنظريّات الميكانيك الكمّي لنيلز بوهر والنسبيّة لآينشتاين وجسيم الله لبيتر هيغز، وفحواها هو أنّ أصغر مكوّنات المادّة ليست البروتونات والنّيوترونات، كما أنّها ليست الكواركات الّتي تتكوّن منها هذه الأخيرة، بل هنالك أوتارٌ متناهيةٌ في الصّغر تهتزّ حول بعضها، وهي تمثّل أصغر مكوّنات المادّة على الإطلاق، وينجم عن اهتزازها (مثل اهتزاز أوتار العود أو الكمان على سبيل المثال) إضافة أبعادٍ أخرى للأبعاد المكانيّة الثّلاثة ليصبح مجموعها عشرة أبعادٍ، وأحد عشر بعداً بعد إضافة البعد الزّمني. لا أريد أن أستفيض هنا في هذا الموضوع المعقّد، بل سأخصّص له مقالةً منفصلةً في وقتٍ لاحق، لكن ما يهمّ هنا الإشارة إلى أنّ هذه النظريّة تقول بوجود أكوانٍ متوازية لا كونٍ واحدٍ فقط، وأحد تطبيقات هذه النظريّة هو الافتراض بأنّ لكلٍّ منّا عشر نسخٍ أخرى تتوزّع في الأكوان الموازية، وكلّ واحدة من هذه النّسخ الإحدى عشر تتصرّف بشكلٍ مغايرٍ للأخرى في الشّؤون الحياتيّة المختلفة. أعلم أنّ الموضوع معقّدٌ جدّاً وليس من اليسر فهمه، لكن ليس بوسعي تبسيط الفكرة أكثر في هذه العجالة.

“إيمي رايان” هي طالبة جامعيّة شابّة تدرس نفس الموضوع أعلاه، وترتبط بعلاقة حبٍّ عاصفة مع البروفّسور إدّ فيرم، انطلقت شرارتها منذ التقيا لأوّل مرّة أثناء محاضرةٍ كان يلقيها الأخير. إدّ فيرم متزوّج ولديه عائلة، لذلك كانت لقاءاتهما متباعدةً جدّاً، لكنّهما على تواصلٍ مستمرّ عبر الرّسائل القصيرة أو المكالمات التلفونيّة أو الرّسائل الصوتيّة والمصوّرة. وعدا عن دراستها الجامعيّة، كانت إيمي تعمل كممثّلة بديلة تقوم بالأدوار الخطرة كتلك الّتي تتضمّن انفجاراتٍ أو حوادثَ سيّاراتٍ أو شنقاً أو احتراقاً أو مطاردةً، إضافةً لقيامها أحياناً بدور عارضةٍ تتموضع لصناعة قوالب تماثيل الجبس فوقها. قيامها بهذا النّوع من العمل هو ما جعل إدّ يخاطبها دوماً بلقب “كاميكازي”، وهو لقبٌ يُطلق لوصف ما قام به الطيّارين الانتحاريّين اليابانيّين ضدّ سفن الحلفاء في الحرب العالميّة الثّانية. ولسبب اختيارها لهذا العمل حكايةٌ نكتشفها لاحقاً، فقبل سنوات كانت تقود السيّارة برفقة والدها وفقدت السّيطرة على السيّارة، فتوفّي والدها على الفور بينما هي لم تصب بأذىً. على إثر تلك الحادثة قطعت تواصلها مع والدتها لأنّها كانت تعتقد في نفسها بأنّ والدتها تلومها على موت الأبّ، واختارت هذا العمل لأنّها تعتقد بأنّها تنجو من المخاطر بينما يتلاشى الآخرون من حولها.في إحدى المرّات الّتي كانت فيها تتموضع لصناعة قالب تمثالٍ من الجبس، شرعت بالبكاء وشعرت بالاختناق، فسارع المساعدون إلى فكّ القالب وإزالة القماش من فوقها، وشعر الفنّان صاحب العمل بالانزعاج لكون التّمثال لم يخرج بشكلٍ متقن لكونها تحرّكت، وطلب إعادة العمل من جديد. في الدّقائق الأخيرة من الفيلم، يظهر الفنّان ذاك في معرضٍ فنيٍّ لأعماله، ونرى التّمثال الّذي صنعه في ذلك اليوم بنسخته المعادة المتقنة، وإلى الأمام منها النّسخة الأوليّة المشوّهة، ويقول: «إنّه أمرٌ مدهش. عندما رأيت العمل المتقن لم أشعر بأيّ شيءٍ تجاهه، لكنّ العمل المشوّه هذا يبدو كبصمة ألمٍ غامضٍ على وجه تلك العارضة. بحثت عنها بعد ذلك اليوم لأسألها عمّا شعرت به وهي داخل القالب، لكنّني لم أعثر عليها، لكأنّها تلاشت» .

يُصاب إدّ بورمٍ دماغيٍّ من نوع Astrocytoma (ما معناه: ورم الخلايا النجميّة)، ويعبّر عن ذلك بسخريةٍ مريرة: «من يمضي حياته ورأسه بين النّجوم، لا بدّ وأن تستقرّ إحداها في رأسه» .
يخفي الأمر عن إيمي.

يعرض لنا الفيلم في دقائقه الأولى مشهداً غراميّاً بين إدّ وإيمي، وإدّ يسألها بإلحاح إن كانت قد أخفت أيّ جانبٍ من جوانب حياتها عنه. بالطّبع، يذهب ظنّنا كمشاهدين جميعاً نحو فكرة أنّه عشيقٌ غيور ويسأل من هذا الباب، ليتبيّن لاحقاً أنّه يسعى لمعرفة أدقّ التّفاصيل عنها لكي يستطيع تنفيذ خطّته لما بعد الموت، خطّته للخلود، وإهداءها هذا الخلود ليبقى معها دائماً كما وعدها. في المشهد الرّابع تسمع إيمي نبأ وفاة إدّ منذ أيّام. لكن كيف؟! لقد وصلتها رسالةٌ قصيرة منه منذ لحظات! لا يستوعب عقلها هذا النّبأ، وتذهب إلى مسقط رأسه في إدنبرة، وتتيقّن من صحّة النّبأ، هو ميتٌ فعلاً. تتكشّف لاحقاً التّفاصيل، ويتبيّن أنّ إدّ قد أمضى الأشهر الثّلاثة الأخيرة له، منذ ذلك المشهد الأوّل، في إعداد المئات من الرّسائل القصيرة والصوتيّة والمصوّرة، وقام ببرمجة شبكة اتّصالاته لكي ترسل الرّسائل في مواعيد محدّدة، كما أنّه جنّد كل من يعرفه لكي يقوم بإرسال طرودٍ بريديّة وأقراصٍ مدمجة تحمل رسائل مصوّرة منه في مناسباتٍ محدّدة مستقبليّة، وكلّف محاميه الشّخصي بالإشراف على التّنفيذ.

طالما أنّ فكرة الخلود ما تزال عصيّةً على الإنسان بالمعنى الفيزيائيّ، فلا بأس من اللّجوء للتّكنولوجيا الذكيّة للحصول على الخلود، ولو بشكلٍ افتراضيّ.

لكن هنا يبرز السّؤال: أليس في الأمر نوعٌ من الأنانيّة؟ أليس من الأفضل ربّما لمن يموت أن يذهب ولا يستمرّ بإقلاق راحة الأحياء؟

إلّا أنّ إدّ لم يكن أنانيّاً، لقد ترك لإيمي ثغرةً تستطيع من خلالها قتله افتراضيّاً إذا ما ضاقت ذرعاً بوجوده. كلّ ما عليها أن تفعله هو أن ترسل رسالةً إلى بريده الالكترونيّ تحمل اسمها مكرّراً إحدى عشرة مرّةً (عدد نسخها في الأكوان المتوازية)، فعنئذٍ ستُقفل شبكة الاتّصالات في الحال ولن تتلقّى أيّ رسائل أو طرودٍ بعد ذلك. أي عندئذٍ سيموت افتراضيّاً كما مات فيزيائيّاً. وهذا بالفعل ما قامت به إيمي إبّان إحدى سورات غضبها، لكنّ الحنين عاودها وشعرت بالنّدم لفعلتها، وتمكّنت بعد محاولاتٍ حثيثة من إعادة إحياء شبكة الاتّصالات، واستأنفت تلقّي الرسّائل والهدايا. ولكن إلى حين.

في الرّسالة الأخيرة، يظهر إدّ وقد أدار ظهره للكاميرا نتيجة تغلّب المرض عليه، يظهر يائساً، عدميّاً، موقناً أنّ سعيه للخلود كان عبثيّاً «فحتّى النّجوم عاجلاً أم آجلاً ستفنى وتعود إلى العدم الّذي وُلدت فيه، ولا توجد طريقةٌ لأن أكون استثناءً لهذه القاعدة. أخشى يا حبيبتي أنّني لن أتمكّن من التوصّل إلى أفكارٍ أخرى لكي أكون معكِ. أتعلمين؟ ليس من العدل أن ننسب الأسى والخوف إلى الشّعور بالعدم. العقل البشري لن يكون قادراً مطلقاً على استيعاب الخلود. كلّ إنسانٍ يُعطى منذ ولادته هبة الخلود، لكنّه أثناء وجوده يرتكب خطأً واحداً فقط، فيفقد هذه الهبة. فيما يتعلّق بي، خطئي الّذي ارتكبته هو أنّني لم أعرفك باكراً» .

بالطّبع لن أستطيع، مهما حاولت، أن أحيط بكافّة تفاصيل هذا الفيلم الكبير، هذا مع التّنويه إلى أنّ هذه الإحاطة، حتّى لو كانت أكثر استفاضةً، لن تغني عن مشاهدة الفيلم، وربّما أكثر من مرّة.

متعةٌ عقليّةٌ وحسيّةٌ لا تضاهى.
أنصح من لم يشاهده بعد أن يفعل.

1 Comment

  1. مراجعة رائعة
    أضافت لكي كثيرا بعد مشاهدة الفيلم
    أتمنى من الكاتب د/ جورج نادر مزيدا من المراجعات
    وقد بحثت عن مراجعات أخرى لك فلم أجد

شارك بالتعليق على الموضوع

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن


*