أمة”اقرأ” تقرأ… والإعلام يجلدها بنشر صورة غير كاملة

مَن مِنّا لم يسمع بتقرير التنمية البشرية المُقلق الذي صدر عن منظمة اليونيسكو عام 2003 والذي ينصُّ على أن المواطن العربي يقرأُ أقلَّ من كتابٍ في السنة، مقابل 35 كتاباً للمواطن الأوربي! أو تقرير مؤسسة الفكر العربي عام 2011 الذي يذكر أن معدل قراءة العربي سنوياً لا يتجاوز الدقائق، مقابل ٢٠٠ ساعة سنوياً للأوروبي !؟ ومن لم تملَّ أُذُنه من سماعِ عبارة ” أمةُ اقرأ التي لا تقرأ ” ؟ وغيرها من التصورات الموجودة بقوة في الوعي الجمعي التي تُشير إلى أن العربي والقراءة ليسوا بأصحابٍ ولا أحباب.

-لكن، هل نحن حقاً نرى المشهدَ كاملاً ؟ -وهل القارئ العربي هو المسؤول الوحيد عن ” قطيعته مع القراءة ”؟

-دعاني لهذه التساؤلات سؤالٌ أرسلته على الفيس بوك للدكتور العتيق في أمرِ الكتابة والكتب، يوسف زيدان، الذي احتلّ في السنوات الأخيرة عرشَ أكثرِ الكتب العربية مبيعاً وانتشاراً وترجمةً، وكان سؤالي عن عدد طبعات روايته ذائعة الصيت “عزازيل”، فأجابَ مشكوراً : “هناك أربعة وثلاثون طبعة رسمية للرواية، الطبعة في حدود عشرة آلاف نسخة! وهناك طبعات مزورة لا حصر لها! ” الكلُ يعلم أنّ الكتاب الذي يتعدى الخمسة آلاف نسخة في العالم العربي هو من الكتب الأكثر مبيعاً، ونحن مع عزازيل تقريباً أمام 340,000 نسخة رسمية! فما معنى إشارة التعجب الأخيرة في جواب الأستاذ يوسف زيدان؟

إن أخذنا بالاعتبار هذه الأرقام المهولة بالنسبة لكاتب عربي ولقارئ عربي، فنحن أمام فرضية ليسَ من مصلحتنا عدم الخوض فيها، ولا من المنطق إنكارها تماماً ، وهي أنّ العربي يقرأ… لو أحسنّا الكتابة !

فالسؤال الأهم ليس إن كان الإنسان العربي يقرأ أم لا، بل : ما هو المحتوى الذي يقوم القارئ العربي باختياره؟ وماهي الظروف التي تؤثر في مستوى قراءته ؟

بالتأكيد سيأتي من يقول أن رواية زيدان تجربة فريدة، ومن حقنا أيضاً القول أنّ ما حصل مع ” عزازيل “حصل مع كتب أخرى للدكتور واحتلت الصدارة مع كتب كثيرة لغيره من الكاتبين على رفوف المكتبات العربية لا يسعنا هنا ذكرها كلها، ولكنها أكّدتْ أنّ العربي ليست مشكلته مع حال القراءة إن صحَ ذلك، بل مع الكاتب أيضاً! أسلوبه، مواضيعه، محاورته لعقلية العربي، بساطته ، مسّه لحاجاته وواقعه بطريقة جديدة، لغته ..الخ

-كيف نُفسر نفاذ الطبعة تلو الطبعة لكتاب “اللاهوت العربي” الذي لا يُعدُّ محطَّ اهتمام الشباب غالباً؟

-وكيف نفسر أنّ دار النشر التي تنشر للدكتور أحمد خيرت العمري لا تنتهي من توزيع الطبعة الأولى من كتبه، حتى تكون الثانية على أبواب العرض والطلب؟

-لماذا احتلت رواية “هيبتا” للكاتب الشاب محمد صادق اهتمام القرّاء العرب بشكل غريب ومُلفت؟

قرأتُ الرواية، وسألتُ عيّنة شبابية عنها، وجدوا هم والكثيرون أن الكاتب يحاكيهم بلغتهم ومشاكلهم، ولا يترفعُ عن مستواهم الفكري، بل والحلول التي يصيغها تناسب واقعهم وأُطر تفكيرهم، قدّم شيئاً يجبرهم أن يكملوا الكتاب حتى النهاية.

-أجدُني في كلامي هذا مضطراً لتجاوز الرأي العلمي والإحصائي الدقيق، على الأقل حالياً، في تقديم رؤية مختلفة عن القارئ العربي، لا نملكُ للأسف إحصائيات عربية رصينة تخصّ موضوعنا، والسبب ضعف البحث العلمي العربي واضطراباتنا السياسية (التي هي بالمناسبة مؤثر رئيسي على مستوى الإقبال على القراءة).

لكننا، وأراهنُ على ذلك، لو أمعنّا النظر في المكتبات العامة، ومواقع التواصل الاجتماعي، واهتمامات الشباب، سنجدُ أنّ المكتبات لا تفارقها أقدام الشباب (خصوصاً الإناث) وأن مواقع التواصل الاجتماعي تعجُّ بالمناقشات والمناسبات الافتراضية التي تبحث في قراءة كتاب أو مقال أو موضوع ثقافي وذلك في معظم الدول العربية، وأنّ حركة التأليف والنشر والترجمة ومعارض الكتب تسير بشكل إيجابي في الكثير من العواصم العربية.

-في دمشق التي أكتبُ منها، وحالها المعاشي لا يخفى على أحد، على الرغم من تضرر مكتباتها الكبير من الحرب الدائرة إلا أن أبوابَ معظمها مفتوحة، بل مازالت تستورد الكتب بالدولار!

منذ أسبوعين خرجت مبادرة من إحدى مكتبات دمشق تدعو للقراءة عن طريق الإعارة والإرجاع وبأسعار مناسبة، وكان صدى المبادرة حديثُ معظم شبابنا، و كان الإقبال عليها منقطع النظير!

إذاً هذه وغيرها مؤشرات، أن لا مشكلة مباشرة بين العربي والقراءة، بل إن توفرت له سُبل التسهيل والمجاراة الواقعية والنفعية والرقمية التي تفرض نفسها، فسيتجاوز الأرقام التي حجمّت وغَبنتْ علاقته بها.

من الحريّ إذاً تتبع أسباب هذه القطيعة بين القارئ العربي والقراءة، والنظر في أصول هذا البرود العاطفي بينهما! فمابالُنا لو تمّ تحسين المناهج التعليمية أصلاً! أو لو تم تأسيس ثقافة مجتمعية وإعلامية ناضجة! أو تمت تهيئة ظروف اقتصادية جيدة! واللائحة تطول …

لا أحاول أبداً النظر في نصف الكأسِ الملآن، والتغافل عن النصف الفارغ، والقول بأنّ وضع الإنسان العربي الثقافي مُرضٍ، بل أحاول رؤية الكأس كاملة، بشكل واقعي وحقيقي، ويخدمُ ما نطمحُ له. أحاول ببساطة أن أدعو لإنارة منطقة مظلمة، وحثّ الكُتاب والمؤسسات الخاصة والعامة على الثقة بالقارئ العربي. علّنا نسمو في تطوير القراءة في العالم العربي، القراءة التي لايمكنُ تصوّر مجتمع حضاري دونها. فالمجتمع الذي لا يقرأ لا يعرفُ نفسه ولا يعرف غيره، وبالتالي لايعرف كيف يدير نفسه ويدير علاقته بغيره.

تم نشر المقال بناء على اختيار الكاتب نظرا لأهميته  (وهو مقال تم نشره سابقا في موقعي الفكر والجمهورية)

معلومات عن الكاتب أحمد فارس العلي:
حقوقي، و يحمل شهادة دراسات عليا في إدارة الأعمال، مهتم بالفكر والعلوم، مؤسس مجموعة بداية للتدريب والاستشارات التنموية والإدارية، ويعمل كمدرب فيها ومحاضر محلي في سوريا في المراكز والجامعات ، ضيف تلفزيوني وإذاعي شبه دائم.
لمتابعة الكاتب على فيسبوك اضغط هنا
 
شارك مع أصدقائك

1 Comment

  1. مقال مهم و مفيد و يجسد الواقع
    جزيل الشكر للكاتب

شارك بالتعليق على الموضوع

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن


*