تغيير الآخر، الهاجس الكبير!

بقلم أحمد فارس العلي

معظم محاولاتنا في العلاقة لـ ” تغيير الآخر ليكون أفضل ” هي محاولات لا واعية لكي نقوم بتحويله إلى شيء يشبهنا، يوافق توقعاتنا، يشبه ما نحنُ عليه ونعرفه. محاولاتنا هذه تبدو منطقية وضرورية ونرى فيها أننا أصحاب حق، لكننا في العمق خائفون، نخاف أن نمضي حياتنا مع شخص مختلفٌ عنا، لأن المختلف عنا في ثقافتنا يُعتَبر مخطئاً وربما ضالاً.   في بداية العلاقة بين الشريكين، لا يطلب أحدهما التغيير من الآخر، بسبب عنفوان العلاقة وعاطفيتها الشديدة، مع الوقت وبدء استكشاف عالم شريكنا الخاص نبدأ بالقلق من اختلافه عما نحن عليه، لننتقل إلى مرحلة إصدار أحكام بالشذوذ عن التصرفات الطبيعية والصحيحة والتي تعبّر عن الحب، والذي سيؤدي بشكلٍ أوتوماتيكي لمختلف أنواع المشاكل و إلى الفتور في العلاقة. بالمنطق والدليل والإيمان، نرى أن شريكنا يجب أن يتغير في جوانب عدة في شخصيته، ولا ندري أن مايدفعنا عميقاً للقيام بذلك هو الخوف و الجوع: الخوف من المختلف، الذي جاء بسبب التربية والثقافة بالدرجة الأولى. والجوع العاطفي الذي جاء بسبب التربية المنزلية أولاً، ومن نسيان ذواتنا وتطويرها ثانياً. وهكذا يمكن أن نقول إن ما يحصل غالبا في العلاقات المبنية على هذه الأسس هو الآتي: المقدمة: ( نفترض أنّ شريكنا في البداية هو نموذج للإنسان الكامل الذي سيلبي لنا كل توقعاتنا العالية ) التطبيق: ( بعد قليلٍ من الوقت نكتشف أنه لا يقوم بذلك ١٠٠٪؜ ) النتيجة: (نخاف) فنقوم بمحاولة لاشعورية لتحويله لشيء يشبه ما تعودنا عليه، يشبه ما نستطيع التعامل معه ونعرفه مسبقاً. هذه بالفعل عملية تامة الأركان لتهجين الشريك ، انطلقت من مقدمة خاطئة ، ونتيجتها أن كل شريك يحاول تهجين وتغيير شريكه بالطريقة التي يراها صحيحةً حسب خبرته الخاصة، والتي تعطيه الأمان ليتعامل ويعيش مع من سيقضي بقية عمره معه، لكنه أمانٌ هشٌّ و مؤقت، لايلبث أن يتحول لشعورٍ بعدم الرضا وفقدان الاستقلالية وسيطرة الفوضى، بالإضافة إلى غياب الاختلاف الذي ينعش ويُلهِم ويبني العلاقة على أسسٍ سليمة. بطبيعة الحال نحن نعرف أنه ليست كل محاولات تغيير الشريك أو ” الآخر ” هي محاولات غامضة نفسياً و هدفها تحويل الآخر لما يرضي توقعاتنا الشخصية، هناك فعلاً سلوكيات تحتاج التغيير، وفي الكثير من الأحيان تكون توقعاتنا واقعية و تعبر عن حاجات رئيسية وصحيّة، لكن ما علينا أن ندرسه و نفهمه بالضبط هو: ١- كيفية الفصل بين رغبتنا لتغيير الآخر النابعة من توازن نفسي والتي هدفها إثراء العلاقة أكثر، وبين رغبتنا لتغيير الآخر النابعة من الخوف والتي تؤدي لتفريغ الشريك من شخصيته المستقلة والمختلفة عنّا ليكون نموذجاً سهلاً ومعروفاً نعيشُ معه. ٢- لو اعتبرنا أن سلوك الشريك أو الآخر هو سلوكٌ سلبي فعلاً و غير مناسب، فما هو الفرق الكبير بين خوفنا الذي يعد دافعاً لمحاولة تغيير هذا السلوك و بين وعينا الذي يدفعنا لاقتراح التغيير المناسب ؟ الافتراض الأقرب إلى الواقعية والمستند إلى الاختلاف الطبيعي بين البشر والذي يمكن أن يتنباه من يريد علاقة فعّالة وبناءة مع الشريك يتلخص برأيي بالطريقة التالية: – المقدمة: ( افتراض أنّ شريكي لم يوجد لتلبية كل توقعاتي ، لذا فاعتمادي العاطفي يكونُ على نفسي بالدرجة الأولى ) – التطبيق: (شريكي لا يلبي لي توقعاتي ١٠٠ ٪؜ ، و أنا لا أفقد توازني بسبب ذلك) – النتيجة: (علاقة صحيّة) فنقوم بمحاولة واعية لاقتراح وتَشارُك التغيير المطلوب والذي سيثري العلاقة، دون أن نفقد توازننا النفسي، ودون أن نلغي الآخر دون أن ندري. كل ماقلته حتى الآن يمكن تلخيصه في عبارة مشهورة:

“الحب لا يبدأ إلا بالتشابه، ولا يستمر إلا بالاختلاف”

يتم تداول هذه العبارة بين الناس بشكلٍ رومانسي، والرومانسية في الوعي الجمعي تحمل معاني الراحة والمتعة والتلقائية والتي لا تفرضُ جهداً و الرومانسية في وعي معظم الناس بعيدة عن المبادرة، لكننا نعلم أن النتائج العظيمة في الغالب تأتي من أنشطة مبادرة وأفعال واعية. لذا، إن كنا نؤمنُ بصدق في هذه العبارة، فعلينا تحويلها إلى سلوك، وأرى أنّ ذلك يمكن من خلال أربعة عناصر: ١- أن نعْرِفَ أنفسنا بحدٍّ أدنى قبل وأثناء العلاقة. ٢- أن نطوّر شخصيتنا بحدٍّ أدنى قبل وأثناء العلاقة. ٣- أن يكون التغيير بوعي (بهدف إثراء العلاقة وليس تلبيةً لأهداف نفسية غامضة) وحتى لو احتوى هذا التغيير على تنازلات تفرضها العلاقة. ٤- أن نحترم و نرعى استقلالية الطرف الآخر. يخبرنا باحثوا علم الإنسان ( الأنثروبولوجيا ) أن رغبتنا بتغيير الآخر بما يوافقنا ويشبهنا رغبةٌ قديمة، طورها الإنسان القديم الذي كان يعيش في مجموعات تحمي بعضها بعضاً من البيئة المحيطة القاسية بهدف ضمان عدم خروجه عن السلوك المتعارف عليه والذي يعرفه وينسجم معه جميع أفراد مجموعته، لأنه لا يمكن للفرد في ذلك الوقت إلا العيش ضمن جماعةٍ تحميه وإلا تعرض للخطر والموت، فطوّر خاصية الخوف من المختلف. تغيير الآخر في وقتٍ من أوقات تاريخ الإنسان كانَ قيمةً عالية ومهمة، واليوم بعد آلاف السنين، لم تتغير هذه القيمة بالرغم من تغير كل الظروف بشكل جذري. نحن نملك حرية ألا نكونَ عبيد الماضي وأصنامه الفكرية ، فما يقودنا يجب أن يكون خيالنا لا ماضينا، حبنا لا خوفنا ، وعينا الذي يعرف الواقع ويعرف زمانه وأحكامه.   معلومات عن الكاتب أحمد فارس العلي:
حقوقي، و يحمل شهادة دراسات عليا في إدارة الأعمال، مهتم بالفكر والعلوم، مؤسس مجموعة بداية للتدريب والاستشارات التنموية والإدارية، ويعمل كمدرب فيها ومحاضر محلي في سوريا في المراكز والجامعات ، ضيف تلفزيوني وإذاعي شبه دائم.
لمتابعة الكاتب على فيسبوك اضغط هنا
 
شارك مع أصدقائك

1 Comment

  1. أنت نور و ألف حضارة ..
    الكاتب احمد فارس العلي …كل الاعجاب والتقدير .
    بانتظار مقالاتك دوماً..

شارك بالتعليق على الموضوع

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن


*