نعمة النسيان

بقلم د.رفيف المهنا

اكتشفت هذا الصباح أنني أنهيت علبة الدواء الذي أتناوله كل يوم، بحثت في المكانين اللذين أضع فيهما الدواء عادة، لم أجد شيئاً.
لم يبق أمامي إلا علبة الأدوية الرئيسية فوق البراد والتي كنت قد بحثت فيها منذ حوالي الشهر عن نفس الدواء، و لم أجد ( حسب ما أذكر).
لكنني رغم ثقتي شبه المطلقة بعدم وجود أي دواء، ارتفعتُ قليلاً و ببعض التردد لأُحضِر تلك العلبة الصغيرة, و أعيد البحث من جديد.

الذي حدث هو أنني وجدت حبتين من الدواء في قعر العلبة لم أصل لهما المرة السابقة.

أحببتُ هذه اللحظة و هذا الإحساس، خصوصاً عندما عرفت أهم سبب دفعني لإعادة البحث من جديد رغم يقيني أنني لن أجد شيئاً.

أعتقد أن أهم سبب هو ثقتي بضعف ذاكرتي و ضعف تركيزي و ضعف انتباهي، ثقتي بقدرتي على النسيان و هشاشة المعلومات التي أحملها عن الحياة حولي، الأمر الذي قد يجعلني أعيد النظر في كل شيء، وأحاول من جديد.

وبمقدار ما تبدو حياتي معتمدة على ذاكرة قوية لتنظّمها وترتّبها، فإنها بالمقابل بحاجة لذاكرةٍ ضعيفة وانتباه مُتعَبٍ أحياناً لتعيد ترتيبها و اكتشافها و تُبقي مكاناً للدهشة والصدفة و لكثير المفاجآت.

لولا ضعف الذاكرة لما أحببتُ من جديد بعد قصص حب تُظهرُ في لحظتها أبديةً ولا نهائية…

لولا ثقتي بضعف انتباهي لما طلبتُ من زوجتي مساعدتي في البحث عن ورقة ضائعة فتجدها هي من أول محاولة.

لولا ضعف تركيزي لما ضحكتُ وضحك الجميع عندما بحثتُ عن مفتاح سيارتي وقد كُنتُ أحمله في يدي.

لولا ضعف الذاكرة لما عرف الانسان المسامحة ولا الغفران … لا لذاته ولا للآخرين.

أكاد أقول … إن أكثر ما يَثبتُ في الذاكرة هي لحظات ضعف الذاكرة.
وأظن أن الذاكرة نفسها تتمنى أن تكون ضعيفة لتكون سعيدة أو سبباً في سعادة.

حتى هنا … السعادة هي في محبة الضعف وتمنّيه كأكثر اللحظات قوة وإيماناً بالإنسان.

يثير حزني من يعرف كل شيء ولا ينسى شيئاً … لأنه لن يغامر ويبحث عن حبة دواء مستقرة في قعر علبة منسية.

“الحب .. طائر صنع جناحاه من نسيان”
“ومن لا ينسى.. لن يعرف الحب”

رفيف المهنا

شارك مع أصدقائك

قم بكتابة اول تعليق

شارك بالتعليق على الموضوع

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في العلن


*